الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

447

تفسير روح البيان

فهمنا ما جاءنا من الحق وتيقنا بصحته وَأَطَعْنا ما فيه من الأوامر والنواهي * قيل لما نزلت هذه الآية قال جبرائيل عليه السلام للرسول صلى اللّه عليه وسلم ان اللّه قد أثنى عليك وعلى أمتك فسل تعط فقال الرسول عليه السلام غُفْرانَكَ رَبَّنا اى اغفر لنا غفرانك كما قال ( فضرب الرقاب ) اى فاضربوا أو نسألك غفرانك ذنوبنا المتقدمة أو ما لا يخلو عنه البشر من التقصير في مراعاة حقوقك وهذا الوجه أولى لئلا يتكرر الدعاء بقوله في آخر السورة واغفر لنا وتقديم ذكر السمع والطاعة على طلب الغفران لما ان تقديم الوسيلة على المسؤول ادعى إلى الإجابة والقبول وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ اى الرجوع بالموت والبعث لا إلى غيرك * قال القاشاني آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ اى صدقه بقبوله والتخلق به كما قالت عائشة رضى اللّه عنها كان خلقه القرآن ومجرد قراءة القرآن بغير عمل لا يفيد * قال في تفسير الحنفي مثاله ان السلطان إذا وهب لاحد من ممالكه امارة وأعطاه رياسة أو نيابة وكتب له توقيعا ان يطيعه أهل البلد كلها فإذا جاء إلى البلد وقعد على المملكة وأطاعه الخلق ثم إن السلطان كتب له كتابا وامر له فيه ان يبنى له قصرا أو دارا واسعة حتى لو حضر السلطان وجاء إلى تلك المدينة ينزل في تلك الدار أو القصر فوصل الكتاب اليه وهو لا يبنى ما امر به في الكتاب لكنه يقرأه كل يوم فلو حضر السلطان ولم يجد ما امره به حاضرا هل يستحق ذلك الأمير خلعة من السلطان أو ثناء أو لا بل ظاهره انه يستحق الضرب والشتم والحبس وكذلك القرآن انما هو مثل هو ذلك المنشور قد امر اللّه فيه لعبيده ان يعمروا أركان الدين كما قال لداود عليه السلام [ فرغ إلى بيتا اسكنه ] وبين لهم بما يكون عمارة الدين فقال اللّه تعالى أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ . كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ . وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ فصارت قراءة القرآن كقراءة منشور السلطان ولا تحصل الجنة بمجرد القرآن لأنه قال جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ : كما قيل « مراد از نزول قرآن تحصيل سيرت خوبست نه ترتيل سورهء مكتوب بتجويد » ثم في قوله غُفْرانَكَ رَبَّنا إشارة إلى أن من نتائج الايمان وآثار العبودية ان يرى العبد نفسه أهلا لكل شر ومولاه أهلا لكل خير . فينسب كل ما يستحسنه لسيده مستعملا حسن الأدب معه في كل أوقاته وذلك بان يحمده على ما دق وجل ويستغفره من تقصيره في شكره له عليه ويتبرأ من حوله وقوته له في ذلك كله وبحسب هذا يكون شعاره الحمد للّه استغفر اللّه لا حول ولا قوة الا باللّه في جميع أوقاته وهو الذكر المنجى من عذاب اللّه في الدنيا والآخرة المقرب للفتح لمن لازمه * واعلم انك لا تصل إلى التحقيق الا بمراقبة الأوقات باحكامها من التوبة والاستغفار عند العصيان وشهود المنة في الطاعة ووجود الرضى في النية ووجود الشكر في النعمة ولن تصل إلى ذلك الا بتعلق قلبك بصلاح قلبك واتهام نفسك حتى في خروج نفسك وتصل إلى هذا بأحد أربعة أوجه . نور يقذفه اللّه في قلبك بلا واسطة . أو علم متسع في عقل كامل . أو فكرة سالمة من الشواغل . أو صحبة شيخ اواخ هذه حاله * وقد قال الشيخ أبو مدين قدس سره الشيخ من هذبك بأخلاقه وأدبك باطراقه وأنار باطنك باشراقه الشيخ من جمعك في حضوره